الشوكاني
259
نيل الأوطار
ما علل به النهي فإنه أخرج البخاري عن طاوس قال : قلت : لابن عباس : كيف ذاك ؟ قال : دراهم بدراهم والطعام مرجئا ، استفهمه عن سبب النهي فأجابه بأنه إذا باعه المشتري قبل القبض وتأخر المبيع في يد البائع فكأنه باع دراهم بدراهم ، ويبين ذلك ما أخرجه مسلم عن ابن عباس أنه قال لما سأله طاوس : ألا تراهم يبتاعون بالذهب والطعام مرجأ ؟ وذلك لأنه إذا اشترى طعاما بمائة دينار ودفعها للبائع ولم يقبض منه الطعام ثم باع الطعام إلى آخر بمائة وعشرين مثلا فكأنه اشترى بذهبه ذهبا أكثر منه ، ولا يخفى أن مثل هذه العلة لا ينطبق على ما كان من التصرفات بغير عوض ، وهذا التعليل أجود ما علل به النهي ، لأن الصحابة أعرف بمقاصد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا شك أن المنع من كل تصرف قبل القبض من غير فرق بين ما كان بعوض وما لا عوض فيه لا دليل عليه إلا الالحاق لسائر التصرفات بالبيع ، وقد عرفت بطلان إلحاق ما لا عوض فيه بما فيه عوض ، ومجرد صدق اسم التصرف على جميع لا يجعله مسوغا للقياس عارف بعلم الأصول . قوله : حتى يحوزها التجار إلى رحالهم فيه دليل على أنه لا يكفي مجرد القبض ، بل لا بد من تحويله إلى المنزل الذي يسكن فيه المشتري أو يضع فيه بضاعته ، وكذلك يدل على هذا قوله في الرواية الأخرى : حتى يحولوه وكذلك ما وقع في بعض طرق مسلم عن ابن عمر بلفظ : كنا نبتاع الطعام فبعث علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه وقد قال صاحب الفتح : إنه لا يعتبر الايواء إلى الرحال لأن الامر به خرج مخرج الغالب ، ولا يخفى أن هذه دعوى تحتاج إلى برهان لأنه مخالفة لما هو الظاهر ، ولا عذر لمن قال إنه يحمل المطلق على المقيد من المصير إلى ما دلت عليه هذه الروايات : قوله : جزافا بتثليث الجيم والكسر أفصح من غيره . وهو ما لم يعلم قدره على التفصيل . قال ابن قدامة : يجوز بيع الصبرة جزافا لا نعلم فيه خلافا فإذا جهل البائع والمشتري قدرها . قوله : ولا أحسب كل شئ إلا مثله استعمل ابن عباس القياس ، ولعله لم يبلغه النص المقتضي لكون سائر الأشياء كالطعام كما سلف . قوله : حتى يكتاله قيل : المراد بالاكتيال القبض والاستيفاء كما في سائر الروايات ، ولكنه لما كان الأغلب في الطعام ذلك صرح بلفظ الكيل وهو خلاف الظاهر كما عرفت ، والظاهر أن من اشترى شيئا مكايلة أو موازنة فلا يكون إلا بالكيل